عندما يواجه الطفل صعوبة في التركيز على واجباته المدرسية، ينظر الأهل عادةً أولًا إلى النوم ووقت استخدام الشاشات وعادات المذاكرة ومصادر التشتت. أما جودة الهواء الداخلي، فهي عامل أقل وضوحًا، مع أن الهواء في غرفة النوم أو مكان المذاكرة قد يؤثر في مدى شعور الطفل بالراحة أثناء قضاء فترات طويلة داخل المنزل.
ولا يعني ذلك أن الهواء الأنظف سيؤدي فجأة إلى تحسن الدرجات. إذ يعتمد الأداء الدراسي على عوامل عديدة، منها النوم وجودة التعليم والدافعية واحتياجات التعلم وبيئة المذاكرة في المنزل. ومع ذلك، وجدت الأبحاث المتعلقة بجودة الهواء الداخلي ارتباطات بين التهوية والجزيئات العالقة في الهواء وأداء الطلاب. وأظهرت دراسات أُجريت في البيئات المدرسية وجود علاقة بين معدلات التهوية والنتائج الدراسية، كما وجدت أبحاث تدخلية أحدث تحسنًا في بعض المقاييس المعرفية والأكاديمية بعد الحد من التعرض للجزيئات العالقة داخل المباني.
هل يمكن للهواء الأنظف أن يؤثر فعلًا في مدى جودة تعلم الأطفال؟
لا يتعلق الأمر بكون الهواء يجعل الطفل أكثر ذكاءً بشكل مباشر، بل بالظروف التي يمكن أن تؤثر فيها جودة الهواء على البيئة المحيطة به.
قد تحتوي الأماكن المغلقة ذات جودة الهواء المنخفضة على مستويات مرتفعة من الجسيمات العالقة ومسببات الحساسية والمركبات العضوية المتطايرة وغيرها من الملوثات. كما قد يؤدي ضعف التهوية إلى تراكم ثاني أكسيد الكربون وملوثات أخرى تنتج داخل المنزل. وقد ربطت الأبحاث التي تناولت البيئات الصفية بين جودة الهواء الداخلي والانتباه والأداء المعرفي ونتائج التعلم.
وجدت إحدى الدراسات التي شملت 220 فصلًا دراسيًا في مراحل التعليم من رياض الأطفال حتى المرحلة الثانوية ارتباطات بين تحصيل الطلاب وعدة عوامل مرتبطة بجودة الهواء الداخلي، منها معدلات التهوية ومستويات الجسيمات الدقيقة وبعض الملوثات. كما وجد الباحثون أن ارتفاع معدلات التهوية ارتبط بتحسن درجات القراءة في بعض البيئات.
وهناك أيضًا أدلة تجريبية أحدث. فقد وجدت تجربة عشوائية مزدوجة التعمية ومتقاطعة أُجريت عام 2026 وشملت أطفالًا في المرحلة الابتدائية أن تنقية الهواء خفضت تعرضهم الشخصي للجسيمات الدقيقة PM2.5 وارتبطت بتحسن في الدرجات الأكاديمية الموحدة ومقاييس الوظائف التنفيذية. وأُجريت الدراسة في الفصول الدراسية وغرف النوم بمنطقة شديدة التلوث، لذلك لا ينبغي تفسير نتائجها على أنها دليل على أن استخدام جهاز لتنقية الهواء في المنزل سيؤدي بالضرورة إلى تحسين درجات كل طفل.
والخلاصة الأكثر منطقية للأهل هي أن جودة الهواء يمكن أن تكون جزءًا من البيئة العامة التي يتعلم فيها الأطفال. فإذا كان الهواء مليئًا بالغبار أو ضعيف التهوية أو مرتبطًا بأعراض تهيج متكررة، فقد يساعد تحسين هذه البيئة على إزالة أحد مصادر التشتت المحتملة أثناء المذاكرة.
ما الذي يمكن أن يؤثر في بيئة المذاكرة لدى طفلك في المنزل؟
لا يتأثر مكان مذاكرة الطفل بالضرورة بمصدر واحد واضح للتلوث. فقد تتراكم عدة مصادر صغيرة، خاصةً في المنازل التي تعمل فيها أجهزة التكييف معظم أيام السنة.
يمكن أن يدخل الغبار والجسيمات الدقيقة من الخارج وتتراكم على الأرضيات والأثاث وأغطية الأسرّة والأسطح الأخرى. كما قد تتركز مسببات الحساسية في المفروشات وغرف النوم. وبالنسبة إلى الأطفال الذين يتأثرون بهذه المحفزات، فإن فهم محفزات حساسية عث الغبار يمكن أن يساعد الأهل على التفكير في مصادر أخرى للمشكلة، بدلًا من الاكتفاء بمسح الأسطح الظاهرة.
كما يمكن أن تتأثر جودة الهواء بالتهوية. فعندما تظل النوافذ مغلقة لفترات طويلة ولا يتجدد الهواء الداخلي بما يكفي، قد تتراكم الملوثات الناتجة داخل المنزل. وتشير الأبحاث التي تناولت البيئات الصفية باستمرار إلى أن التهوية تمثل جزءًا مهمًا من الحفاظ على جودة الهواء الداخلي ودعم بيئة مناسبة للتعلم.
وهناك أيضًا مصادر أقل وضوحًا. فقد تطلق منتجات التنظيف والدهانات والمفروشات وغيرها من المواد المنزلية مركبات عضوية متطايرة، بينما يمكن أن يدخل التلوث الخارجي من الأبواب والنوافذ وأنظمة التهوية. وقد حددت منظمة الصحة العالمية مجموعة من الملوثات الكيميائية التي يمكن أن توجد في البيئات الداخلية التي يستخدمها الأطفال.
وبالنسبة إلى العائلات التي تحاول فهم الصورة بشكل أكبر، يمكن أن يساعد الاطلاع على ملوثات الهواء المنزلية الشائعة في تحديد مصادر قد لا تحظى بالاهتمام الكافي.
وتستحق أجهزة التكييف اهتمامًا خاصًا في منازل الإمارات لأنها تواصل تدوير الهواء الداخلي. ولا يعني تراكم الغبار أو إهمال الفلاتر أو ضعف صيانة المكونات بالضرورة أن جهاز التكييف يتسبب في مرض الطفل، لكنها عوامل منطقية يجب أخذها في الاعتبار عند تقييم جودة الهواء الداخلي، خاصةً إذا كانت الغرفة تبدو مليئة بالغبار أو تفتقر إلى الانتعاش.